5.1 الفوائد السَّبعة التي ذكرها ابنُ الجَزريِّ لأوجُه اختلا...
5.1 الفوائد السَّبعة التي ذكرها ابنُ الجَزريِّ لأوجُه اختلاف القراءات، وتنوُّعِها
قال ابنُ الجزريِّ-رحمه الله-: وأمَّا فائدةُ اختلاف القراءات وتنوُّعها، فإنَّ في ذلك فوائدَ غيرَ ما قدَّمناهُ، من سبب التَّهوين والتَّسهيل والتَّخفيف على الأمَّة.
فضلا انقر على الأزرار للتفصيل
ما في ذلك من نهاية البلاغة، وكمال الإعجاز، وغاية الاختصار، وجمال الإيجاز؛ إذ كلُّ قراءةٍ بمنزلةِ الآية، إذ كان تنوُّع اللَّفظ بكلمةٍ تقوم مقام آيات، ولو جُعلت دلالةُ كلِّ لفظٍ آيةً على حدتها، لم يُخشَ ما كان في ذلك من التَّطويل.
ثم قال -رحمه الله- عن الفائدة الثانية:
ما في ذلك من عظيم البرهان، وواضح الدِّلالة؛ إذ هو مع كثرة هذا الاختلاف وتنوُّعه، لم يتطرَّقْ إليه تضادُّ ولا تناقض ولا تخالف، بل كلًّه يُصدِّقُ بعضه بعضًا، ويُبيِّن بعضه بعضًا، ويَشهد بعضُه لبعض على نمطٍ واحد وأسلوب واحد، وما ذاك إلا آيةٌ بالغة وبرهانٌ قاطع على صدق مَن جاء به -صلَّى الله عليه وسلَّم-.
ثم ذكر الفائدة الثالثة، فقال:
سهولةُ حفظه وتيسيرُ نقله على هذه الأمَّة؛ إذ هو على هذه الصِّفة من البلاغة والوجازة، فإنَّه مَن يحفظ كلمةً ذاتَ أوجُه، أسهلُ عليه وأقربُ إلى فهمه، وأدعى لقبوله من حفظ جمل من الكلام تؤدِّي معاني تلك القراءات المختلفات، لا سيَّما فيما كان خطُّه واحدًا، فإنَّ ذلك أسهلُ حفظًا، وأيسرُ لفظًا.
ثم قال -رحمه الله- عن الفائدة الرابعة:
إعظامُ أجور هذه الأمة، من حيث إنَّهم يُفرغون جهدهم؛ ليبلغوا قصدَهم في تتبُّع معاني ذلك، واستنباط الحِكَم والأحكام من دلالة كل لفظ، واستخراج كمينِ أسراره، وخََفِيِّ إشاراته، وإمعانهم النظرَ، وإمعانهم الكشف عن التَّوجيه والتَّعليل والتَّرجيح والتَّفصيل بقدر ما يبلغُ غايةَ علمهم، ويصلُ إليهم نهايةَ فَهمهم: ((فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى)) [آل عمران: 195]. ثم قال - رحمه الله-: والأجر على قدر المشقة. ثم قال عن الفائدة الخامسة:
بيانُ فضل هذه الأمة وشرفها على سائر الأمم، من حيثُ تلقِّيهِم كتابَ ربهم هذا التلقي، وإقبالهم عليه هذا الإقبال، والبحث عن لفظة لفظة، والكشف عن صِيغة صيغة، وبيان صوابه، وبيان تصحيحه، وإتقان تجويده، حتى حمَوْه من خلل التَّحريف، وحفظوه من الطُّغيان والتَّطفيف، فلم يُهملوا تحريكًا ولا تسكينًا ولا تفخيمًا ولا تدقيقًا، حتى ضبطوا مقاديرَ المَدَّات، وتفاوت الإمالات، وميَّزوا بين الحروف بالصِّفات، ممَّا لم يهتدِ إليه فكرُ أمَّةٍ من الأمم، ولا يُوصَل إليه إلا بإلهام بارئ النَّسَم؟.
ثم ذكر -رحمه الله- الفائدة السادسة من الفوائد التي ذكرها، فقال:
ما ادَّخره الله من المنقبة العظيمة والنعمة الجليلة الجسيمة، لهذه الأمة الشريفة، من إسنادها كتابَ ربِّها، واتِّصال هذا السبب الإلهي بسببها خصيصةُ الله تعالى هذه الأمة المحمدية، وإعظامًا لقدر أهل هذه الملة الحنيفية، وكلُّ قارئ يُوصل حروفه بالنقل إلى أصله، وبرفع ارتياب المُلحد قطعًا بوصله، فلولا لم يكن من الفوائد إلا هذه الفائدةُ الجليلةُ، لكفت، ولو لم يكن من الخصائص إلا هذه الخِصيصة النَّبيلة، لوفت.
ثمَّ قال -رحمه الله- مُبيِّنًا الفائدة السابعة والأخيرة:
ظهور سر الله تعالى في تولِّيه حفظ كتابه العزيز، وصيانة كلامه المنزل بأوفَى البيان والتَّمييز. فإنَّ الله تعالى لم يُخلِ عصرًا من الأعصار، ولو في قُطر من الأقطار، من إمامٍ حجةٍ قائمٍ بنقل كتاب الله تعالى، وإتقان حروفه، ورواياته، وتصحيح وجوهه وقراءاته، يكون وجوده سببًا لوجود هذا السَّبب القويم على ممرِّ الدهور، وبقاؤه دليلًا على بقاء القرآن العظيم في المصاحف والصدور.